الكنيسة المقدسةمختارات عالمية

ماريا فالتورتا تروي بالتفصيل أحداث أحد قيامة الرب يسوع من الموت

الإنجيل كما أوحيَ به

أحداث أحد قيامة الرب يسوع من الموت

أمضت النسوة الليلَ بتحضيرِ الطيوب وطحنِها في منزل العليّة.
خلال ظهورِ الرب لأُمّه بعد قيامته، تسير النسوة اللواتي خرجن من المنزل، ملامسات الجدران، كلّهن متدثّرات، وقد جعلتهن كثرة السكون والوحدة خائفات.
” ألن يقولوا لنا شيئاً؟” تسأل سوسان.
“من؟ ” تسأل المجدلية.
” الجنود عند باب القضاء. من هناك… قليلون يدخلون وأقل بعد يخرجون… سوف نثير شبهات…”
” لمَ لا نخرج من باب آخر؟”
” سوف تطيل الطريق.”
” لكننا سنكون أهدأ بالاً. لنسلك باب الماء…”
النسوة خائفات.
” …ينبغي الإسراع والعودة سريعاً.” إنها المجدلية الحاسمة إلى هذا الحد.
” إذاً آخر، إنما ليس باب القضاء. كوني لطيفة…” سألن كلهن.
……
” إذاً، دعينني أمضي.”
” أتذهبين وحدك يا مريم؟ أنا ذاهبة معك.” تقول مرتا التي تخاف على أختها.
” لا، تذهبين مع مريم حلفى إلى عند حنة (لجلبها). صالومة وسوسان تنتظرانكما قرب الباب، خارج الأسوار. ثم تسلكن الطريق الرئيسية كلّكن معاً. وداعاً.”
تطير من فرط ما سيرها سريع… تجتاز باب القضاء لتمضي أسرع، وما من أحدٍ يوقفها.
ترى مريم، بوصولها، سجّاني المُنتصر أولئك العديمي الجدوى مطروحين أرضاً مثل حزمة سنابل محصودة.
لا تربط مريم الزلزال (الذي شعر الكل به) بالقيامة. إنما تظن ،وقد رأت المشهد، بأن ذلك عقاب الله لمُدنّسي قبر يسوع، وتسقط على ركبتيها وهي تقول :”واحسرتاه! لقد سرقوه! “
إنها حزينة حقاً، وتبكي … ثم تنهض وترحل راكضةً،قاصدةً بطرس ويوحنا.
وبما أنها لا تُفكر إلا بإخطار الإثنين، ما عادت تفكر بالذهاب للقاء رفيقاتها، بالتوقف على الدرب، إنما تعاود المرور بالدرب التي سبق أن قطعتها، سريعةً مثل غزالة، تجتاز باب القضاء وتطير على الطرق المزدحمة قليلاً، ترتمي على بوابة المنزل وتطرقها وتهزها بحنق.
تفتح لها ربة المنزل.
” أين يوحنا وبطرس؟” تسأل مريم المجدلية لاهثة
” هناك”، وتدلها المرأة إلى العليّة.
تدخل مريم مجدلا، وما أن تصبح في الداخل أمام المندَهشَين، حتى تقول بصوتٍ خافت، رفقاً بالأُم وأكثرَ قلقاً مما لو صرخت:” لقد سرقوا الرب من القبر ! من يدري أين وضعوه !”
ولأول مرّة تترنح وتتمايل، ولئلا تقع، تتعلق حيث تستطيع.
” لكن كيف؟ ماذا تقولين؟”
وهي، لاهثة: ” تقدَّمْتُ…لرشوة الحُرّاس… من أجل أن يدَعونا نتصرف. هم هناك كأنهم أموات… القبر مفتوح، الحجر أيضاً… من؟ من أمكنه القيام بذلك؟ آه ! تعاليا ! لنرْكُض…”
بطرس ويوحنا ينطلقان فوراً.
تتبعهما مريم بضعَ خطواتٍ، ثم تعود الى الوراء.
تُمسِك بربّة المنزل، تهزُّها بعنفٍ في حُبّها المُحتَرس وتهمس في وجهها :”حاذري جيداً إدخال أحد ما الى عندها (وتشير الى باب حجرة مريم) واخرَسي.”
ثم تتركها مذعورةً، وتلحق بالرسولين اللذين يمضيان سريعاً نحو القبر.
سوسان وصالومة تُفاجآن بالزلزال بعدما فارقتا رفيقتَيهما وأدركتا الأسوار….
لكن الحب ينتصر على الخوف… وتمضيان نحو القبر.
تدخلان البستان مرتاعتين، وتريان الحراس مغمى عليهم… تريان نوراً عظيماً يخرج من القبر المفتوح.
يزيد ذلك ارتياعهما، وينتهي إلى تحوّله تاماً حين تمثلان عند العتبة، ممسكتين بيد بعضهما بعضاً، وتريان في ظلمة الغرفة المدفنية مخلوقاً منيراً وجميلاً جداً، يبتسم بلطفٍ، ويحييهما من المكان الذي هو فيه: مُتكئاً إلى يمين حجر المَسحة الذي تختفي رماديته أمام بهاءٍ بهذا التوهّج.
تسقطان على الركبتين يدوّخهما الذهول.
لكن الملاك يكلّمهما بهدوء: ” لا تخافا مني. أنا ملاك الألم الإلهي. أتيت لأغتبط بنهاية هذا الأخير. لم يعد من ألم للمسيح، من إذلالٍ له في الموت. إن يسوع الناصري، المصلوب الذي تطلبان، قام. لم يعد هنا!…هيّا. قولا لبطرس والرسل أنه قام ويسبقكم إلى الجليل. سوف ترونه بعد هناك لوقتٍ قليل، وفقاً لما قال.”
تسقط المرأتان وجههما إلى الأرض، وحين ترفعانه تهربان كأن عقاباً كان يلاحقهما، إنهما مروَّعتان وتتمتمان:”سوف نموت، لقد رأينا ملاك الرب! “
….
يوحنا، أسرع، يصل الأول إلى القبر.
يركع على العتبة المفتوحة، فزِعاً وحزيناً…
لكنه يرى فقط البياضات موضوعة فوق الكتان، مُكوّمة أرضاً.
” ليس هنا حقاً، يا سمعان! مريم رأت جيداً. تعال، أُدخل، أنظر.”
بطرس يدخل القبر لاهثاً تماماً بفعل الركض الطويل الذي قام به. كان قد قال في الطريق:” لن أجرؤ على الإقتراب من ذلك الموضع.” لكنه لا يفكر الآن إلا باكتشاف أين يمكن أن يكون المُعلم ويناديه أيضاً، كأنه كان يمكن أن يكون في زاويةٍ مُعتمة ما.
الظلمة في هذه الساعة الصباحية، لا تزال دامِسة في القبر الذي لا تُمدُّه بالنور إلا فتحة الباب الصغيرة التي يُظلّها يوحنا والمجدلية…
تصعب الرؤية على بطرس و عليه الاستعانة بيديه ليتأكّد بنفسه…
يلمس طاولة المسحة، وهو يرتجف، ويرى أنها خالية…
” ليس هنا، يا يوحنا ! ليس هنا ! … آه ! تعال أنت أيضاً ! لقد بكيت كثيراً بحيث لا أرى هنا مع هذا القليل من النور.”
ينهض يوحنا ويدخل.
وفيما يفعل ذلك يكتشف بطرس الوشاح موضوعاً في زاويةٍ، مطويّاً جيداً مع الكفن في داخله ملفوفاً بعناية.
” لقد سرقوه حقاً. الحراس، لم يكن ذلك من أجلنا، بل للقيام بذلك… وتركنا الأمر يحصل. بابتعادنا، سمحنا بذلك…”
“آه! أين يكونون قد وضعوه!”
” بطرس، بطرس! الآن… الأمر انتهى حقاً!”
يخرج التلميذان مُنهكَين.
” هيا، يا امرأة. ستقولين ذلك للأم…”
” أنا لا أبتعد. أبقى هنا…سيأتي أحد ما…آه! أنا لا آتي… هنا لا يزال شيء ما منه. كانت على حق، الأم… تنفُّس الهواء حيث كان، هو التعزية الوحيدة التي تبقى لنا.”
مريم على الأرض وتبكي فيما الآخران يمضيان عل مهل.
ثم ترفع الرأس وتنظر الى الداخل وترى، عبر دموعها، ملاكين جالسين على حجر المسحة وأسفله. مخبولة إلى حد، مريم المسكينة، في معركتها الأعنف بين الرجاء الذي يموت والإيمان الذي لا يريد أن يموت، أنها تنظر اليهما مُتبلّدة الذهن، حتى من دون أن تُدهش لذلك.
لم تعد تملك سوى دموع، الشُجاعة التي قاومت بطلةً كل شيء.
” لمَ تبكين يا امرأة؟” يسأل أحد الصبيَين المُنيرَين، لأن لهما مظهر مراهقَين جميلَين جداً.
” لأنهم أخذوا ربي، ولا أعلم أين وضعوه.”
مريم لا تخاف التحدث إليهما، لا تسأل، لا شيء، ما عاد يدهشها شيء.
الصبي الملائكي ينظر إلى رفيقه ويبتسم والآخر أيضاً.
في وميضِ فرحٍ ملائكيّ ينظران كلاهما الى الخارج، نحو البستان.
تستدير مريم لترى ما ينظران إليه، وترى رجلاً جميلاً جداً، ولا أدري كيف يمكنها ألا تتعرف إليه فوراً.
رجلٌ ينظر إليها بشفقةٍ ويسألها:” يا امرأة، لِم تبكين؟ من تطلبين؟”
ومريم وسط نحيبها:” أخذوا مني ربّي يسوع! جئت أحنطه في انتظار أن يقوم…جمعت كل شجاعتي ورجائي، وإيماني وحبي…والآن ما عدت أجده..أيا سيدي إن كنت انت من أخذه، فقل لي أين وضعته، وأنا آخذه…لن أقول ذلك لأحد…أنظر: أنا إبنة تيوفيلوس، أخت لعازر، إنما أبقى راكعة أمامك، لأتوسل إليك كعبدة. أتريد ان أشتري منك جسده؟ سأفعل ذلك. كم تريد؟ أنا غنية. أستطيع أن أعطيك مقدار وزنه ذهباً وأحجاراً كريمة. إنما أعِده إلي…يا سيد، يا سيد…أنت ترى ذلك…منذ ثلاثةِ أيام وغضب الله يصيبنا بسبب ما فُعِل بابن الله…”
” مريم!” يسوع يتألقّ وهو يناديها. يُظهر نفسه في بهائه الظافر.
” رابوني! ” صيحة مريم هي حقاً “الصيحة العظيمة” التي تُقفِل دورة الموت.
وتنهض مريم عند الصيحة التي تملأ البستان، تركض إلى قدمَي يسوع، وتريد تقبيلهما.
يسوع يبتعد وهو لا يكاد يلمسها عند الجبهة بطرف أصابعه:
” لا تلمسيني! إنني لم أصعد بعد إلى أبي بهذا الثوب. أُقصدي إخوتي وأصدقائي وقولي لهم إنني أصعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي والهكم. وبعد ذلك سآتي إليهم.”
ويختفي يسوع، يلاشيه نورٌ لا يُحتمَل؛
المصدر: صفحة ماريا فالتورتا

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق